توضح الدكتورة نادية حلمي في هذا التحليل أن العلاقة بين أكاديمية ناصر العسكرية – التي تحمل اليوم اسم الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية – والمؤسسات العسكرية الصينية تشهد تحولًا نوعيًا لافتًا، في إطار استراتيجية صينية تقوم على "بناء نخب المستقبل" داخل الجيوش الشريكة. تركّز بكين على تعميق التعاون العسكري والتعليمي مع مصر، عبر تبادل الخبرات، وبرامج التدريب المشترك، والزيارات رفيعة المستوى، ضمن شراكة استراتيجية شاملة ترى فيها الصين مدخلًا رئيسيًا لتعزيز حضورها في المنطقة العربية.

 

تشير مودرن دبلوماسي إلى أن هذا التقارب العسكري الصيني المصري يثير قلقًا متزايدًا في الدوائر الأميركية والإسرائيلية، نظرًا لما يحمله من إمكانية تقليص نفوذ واشنطن التقليدي في القاهرة، وإعادة تشكيل أنماط التدريب والتسليح داخل المؤسسة العسكرية المصرية بعيدًا عن النموذج الغربي السائد.

 

استراتيجية “صناعة النخب” وبناء النفوذ

 

تعتمد المقاربة الصينية على استهداف الضباط القادة المستقبليين، لا سيما في الرتب المتوسطة والعليا، عبر برامج تعليمية وعسكرية طويلة الأمد. تسعى الصين إلى غرس مفاهيمها الاستراتيجية والعسكرية داخل عقول النخب الصاعدة، باعتبارها استثمارًا بعيد المدى يضمن علاقات مستقرة مع صناع القرار العسكريين في المستقبل. يشمل ذلك محاضرات مشتركة، وتبادل وفود عسكرية، واستضافة خبراء استراتيجيين من الجانبين لمناقشة قضايا الأمن الإقليمي والدفاع.

 

ترى بكين أن مصر تمثل بوابة محورية للعالم العربي وإفريقيا، لذلك تربط تعاونها العسكري معها بمبادرات أوسع، مثل مبادرة الحزام والطريق، بما يعزز التداخل بين الأمن والاقتصاد والبنية التحتية. في هذا السياق، لا تكتفي الصين بتقديم التدريب، بل تسعى إلى تقديم النموذج العسكري الصيني كبديل فكري وعملي عن الهيمنة الأميركية والغربية.

 

تدريب مشترك وتكنولوجيا متقدمة

 

تسلّط الدراسة الضوء على تصاعد وتيرة التعاون العملي بين الجانبين في عامي 2025 و2026، خصوصًا من خلال المناورات والتدريبات المشتركة. شهدت هذه الفترة تنفيذ مناورات "نسور الحضارة"  المصرية–الصينية، التي ركزت على التدريب الميداني والتقني، وأسهمت في رفع كفاءة الضباط والجنود المصريين في مجالات الحرب الحديثة.

 

كما نفذت القوات الجوية المصرية والصينية أول تدريب جوي مشترك داخل الأراضي المصرية، شمل طلعات قتالية والتخطيط لعمليات معقدة باستخدام مقاتلات متعددة المهام. تعكس هذه الخطوة رغبة صينية واضحة في نقل خبراتها العملية، وليس الاكتفاء بالتعاون النظري أو الأكاديمي.

 

نقل السلاح وتوطين التكنولوجيا

 

يمثل نقل التكنولوجيا أحد أعمدة الشراكة العسكرية بين القاهرة وبكين. تسعى الصين إلى تعزيز اعتماد مصر على أنظمة تسليح صينية متطورة، مثل الطائرات المسيرة من طراز وينج لونج، وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، والرادارات الحديثة. تشمل المباحثات أيضًا الغواصات الصينية من طراز Type 039A، ومقاتلات J-10C، وصواريخ PL-15 بعيدة المدى.

 

لا تقتصر هذه الصفقات على البيع، بل تمتد إلى توطين الصناعة العسكرية داخل مصر. يشمل ذلك نقل تكنولوجيا تصنيع بعض الطائرات المسيرة، وتدريب الفنيين المصريين على صيانة المحركات والأنظمة الإلكترونية والرادارية، بما يعزز الاستقلالية التشغيلية للقوات المسلحة المصرية على المدى المتوسط والطويل.

 

التعليم العسكري كقوة ناعمة

 

تركز الصين على استخدام التعليم العسكري كأداة قوة ناعمة. استضافت المؤسسات العسكرية الصينية أعضاء هيئة تدريس من أكاديمية ناصر، وناقشت معهم قضايا أمنية إقليمية مثل الحرب على غزة، في إطار تقديم رؤية صينية بديلة عن التحليلات الغربية. يتكامل ذلك مع جهود جامعة الدفاع الوطني الصينية لبناء شبكة علاقات مع قادة عسكريين عرب، خصوصًا من رتبة عقيد فما فوق.

 

ترتبط هذه الجهود بمبادرة الأمن العالمي التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينج، والتي تهدف إلى إعادة صياغة مفاهيم الأمن الدولي بعيدًا عن التحالفات الصلبة، والتركيز على الشراكات متعددة الأقطاب. ترى بكين أن دمج هذه الرؤية داخل مناهج الأكاديميات العسكرية العربية يمنحها نفوذًا فكريًا طويل الأمد.

 

تداعيات استراتيجية

 

تخلص الدراسة إلى أن هذا التقارب يمنح مصر هامشًا أوسع لتنويع مصادر السلاح والتدريب، وتقليص الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة والغرب. في المقابل، تحقق الصين اختراقًا استراتيجيًا في مؤسسة عسكرية مركزية بالشرق الأوسط، ما يعزز حضورها السياسي والأمني في المنطقة.

 

في المحصلة، لا تسعى الصين إلى قاعدة عسكرية تقليدية في مصر بقدر ما تعمل على بناء نفوذ مستدام عبر النخب العسكرية، مستفيدة من التعليم، والتكنولوجيا، والشراكات طويلة الأجل. هذا المسار يعكس تحولًا أعمق في موازين التأثير الدولي، حيث لم تعد المنافسة تقتصر على السلاح أو القواعد، بل تمتد إلى العقول والعقائد العسكرية ذاتها.

 

https://moderndiplomacy.eu/2026/02/02/china-seeks-military-foothold-in-egypt-courting-elites-to-counter-u-s-influence-training/